ظلت صامتة لا يصدر منها سوى شهقات خفيفة تعقب بكائها دائمًا كالأطفال، كانت مُتعبة لا تقوى حتى على النهوض، و ظل هو متابعها، حتى إفترشت الأرض تضم قدميها لصدره و تغمض عيناه و تنام كالجنين متكورة على قسوة الأرض أسفلها، أشفق قليلًا عليها، و تركها حتى ذهبت بنومٍ عميق ثم القى بسيجارته و إتجه لها بخطوات وئيدة، مال عليها ينظر لوجهها الذابل، وضع كفه تحت ركبتيها من الخلف و كفها الآخر ثبته أسفل ظهرها، حملها ببساطة بين ذراعيه و وضعها على الفراش، جلس جواره و مدت كفُه يزيح قميصه من أسفل فـ يرى آثار عنـ .ـفه و جبروته عليه، أغمض عيناه
و عاد يخفي تلك الآثار التي تدغدغ ضميرُه، تركها و نهض يرتدي ما وجدُه أمامه و غادر الشقة يذهب لـ الفيلا لكي يأخذ له و لها بعض الثياب، فـ قد عزم أمره على جعلها في تلك الشقة حتى تلد .. لن يتركها، إن تركها يمـ .ـوت، ستلد و ستبقى جواره للأبد، أحضر الحقيبتان، و ترجل السلم، فـ قابلته أم أدهم التي يكن لها كثير من للحب و الإحترام، هتفت الأخيرة و عيناها تتوزع بينه و بين الحقائب و قد صدُق حدسها:
– سليم بيه .. دُنيا فين؟
– بتسألي ليه يا أم أدهم؟
هتف سليم بجمود و ترك الحقائب، هتفت الأخير بعيون باكية:
– بالله عليك ما تإذيها يا سليم بيه، دُنيا جات كلمتني إمبارح و كانت خايفة .. راعي إنها لسه صغيرة و مش فاهمة و خايفة يا سليم بيه، عشان خاطر أغلى حاجة عندك ما تعمل فيها حاجة – إن شاء الله!
قال سليم بضيق و جر الحقائب خلفه و هو يتخطاها، وقفت الأخير تبكي و تردد بأسى:
– يا حبيبتي يا بنتي .. ربنا يستر عليكي منُه .. مش هيرحمك!
غادر و هو يجُر قدميه جرًا، يشعر بإرهاق غريب و كأن ألمَها إنتقل إلى جسدُه هو، ظل اليوم بالخارج يذهب هُنا و هناك، و كأنه أسد شارد جريح لا يعلم لأين و لمن يذهب، كان عندما يضيق ذرعًا يذهب لها، و ماذا لو كانت هي مصدر ذلك الضيق، ذهب لكي يبتاع الطعام فهو يعلم أن الشقة ليس بها كسرة خبز واحدة، و في آخر الليل عندما حانت الساعة الواحدة و النصف دلف للشقة التي كان موصدها خلفُه، دلف و عيناه تبحث عنها، دلف للمطبخ لكي يضع الأكياس على الرُخام لكنه تفاجأ بها واثبة أمام الثلاجة تُطالعها ببؤس، و فورما إنتبهت على
وجودُه أسرعت تغلق باب الثلاجة و تغادر المطبخ متجهة إلى الغرفة دون أن تنظر له، قطب حاجبيه و قد أُعتصر قلبه على رؤياها .. تركها دون طعام حتى تحاملت على نفسها و ذهبت لتبحث هي، أفرغ سريعًا و بصمتٍ تام و أعين زائغة الأكياس، وضع الطعام بأطباق و زوّد كميتُه، ثم ذهب للغرفة و وضع الصينية على الطاولة، جلس أمام الطاولة فوق الأريكة يشمر عن ساعديه و بيقول و هو يأكل قطعة رغم عدم رغبته بالطعام فقط لكي تأتي:
– تعالي كُلي لو عايزة!
تحاشت النظر له بتقول بنبرة لا حياة فيها:
– مش عايزة! رفع عينيه ليها و حدّق بـ وجهها الشاحب و كأن لا يوجد نقطة دم واحدة تمُر في جسدها، فـ هتف بهدوء:
– مش عشانك .. عشان إبني اللي في بطنك! صمتت، إبتلعت كلمـ .
ـاته كالعلقم، و ساقتها قدميها للطعام فـ رائحته الشهسة جعلت معدتها تصدر أصواتًا فاضحة، جلست بعيدة عنه تنظر للأطباق، فـ قرّب منها الطاولة و نهض من جوارها يقف في شرفة الغرفة، أكلت هي بشراهة لم تكُن من عادتها، حتى أنهت الأطباق بأكملها، نظرت لهم بحرَج، لم تترك له لُقيمة واحدة، لكنها تنهدت و نهضت تحمل الصينية و تتجه بها للمطبخ، تغسل الأطباق و تنظف كل شيء، خرجت للبهو فـ تفاجئت بـ تلك الحقائب، نبض قلبها بـ وتيرة سريعة تُدرك أنها بالفعل ستظل هنا، إقتربت من الحقيبة و عيناها تذرف الدموع، فتحتها فـ وجدت ثيابها، إنهارت و دلفت له تقف خلفه في
الشرفة:
– مش هتحبسني هنا زي م عملت معاها، فاهم ولا لاء! مش هتسيبني هنا لوحدي!!
نفث دخان سيجارته و إلتفت لها يتأمل محياها ببرود .. ذلك الوجه الذي جمع بين الغضي و الخوف و البراءة معًا، صمت للحظات قبل أن يُرد بجمود:
– و محبسكيش ليه؟ لما تكبري و تعقلي هبقى أطلّعك من هنا، لكن طول م إنتِ بتتصرفي تصرفات مش عاملة حسابها، إنسي إنك تشوفي الشارع .. الحرية اللي كنت مديهالك خلاص مبقتش موجودة!
بكت أكثر، جلست على مقعد في الشرفة تقول بصوت جعله رغمًا عنه يرِق للحظات:
– بس إنت عارف إني بخاف من القعدة لوحدي! مش عايزة أقعد بين أربع حيطان لوحدي! صمت للحظات عيناه تطالعها بضيق منها و منه، منها لأنه جعلت قلبه كالحجر في سويعات معدودة .. و منه لأن السبب في جلوسها هكذا أمامه تطئ رأسها أرضًا و تخبر كم تكره الوحدة و كم هي خائفة و هو يقف مكبل الأيدي لا يستطيع الذهاب إليها و معانقتها!
أغمض عيناه و رد بعد دقيقتان:
– كنت فكّري في كدا قبل م تروحي تعملي اللي عملتيه! إنهمرت دمعاتها أكثر، تقول وسط شهقاتها:
– أنا كنت خايفة .. خايفة مقدرش أتحمل مسئوليته، خايفة معرفش أتعامل، غصب عني أعطاها ظهره مغمضًا عيناه لا يود مواجهتها، لكنها تابعت بألم:
– أنا لسه صغيرة مش فاهمة ممكن أعمل إيه و مش فاهمة هعرف أشيل مسئولية طفل ولا لاء .. بكت تتابع و هو لازال مغمض الأعين يطرق بأنامله فوق مسند الشرفة:
– أنا مش عارفة أقولك إيه .. بس حاسة إني موجوعة أوي .. حاسة إني قلبي بينزف مش جسمي!
كزّ على أسنانه و في لحظة هوجاء كان يقبـ .ـض بكفه على السيجارة فـ نهشت بـ وسَط باطن كفه، و لم يشعر هو بإحتراق جلدُه، و كأن إحتراق قلبه أفقده الشعور، سمع وقع خطواتها فـ بدى أنها دلفت، فتح عينيه الحمراء .. و لف بوجهه و كتفه لينظر ماذا تفعل فـ وجدها قد أغلقت الأنوار و توسدت الفراش تنام على ذات الوضعية الجنينية، عاد ينظر أمامُه يفرك عيناه، جلس على المقعد و لازالت صرخاتها و هي بين ذراعيه تتردد كالطنين في أذنيه لا ترحمه!
***** إستفاقت على ألم رهيب في معدتها، لظرجة أنها بدأت تتآوهو تميل للأمام تضغط على معدتها علّ الألم يهدأ لكنه لم يهدأ البتة، رفعت عيناها فـ وجدته نائم على الأريكة بعُمق، نهض بصعوبة شديدة و وقعت أرضًا من شدة الألم تقول:
– آآآه .. آه بطني!
بكت من شدة تقلُصات نعدتعا، و إنتابها الذُعر أن تفقد جنينها و لا تعلم لماذا لكنها لا تود أن تفقده أبدًا، ظنت أن ما حدث البارحة قد قـ .ـتلُه، فـ إنحدرت بعيناها لأسفلها تتفقد ما إنك كان هنالك بقع دموية أم لا لكنها حمدت ربها عندما لم تجد، ظلت تبكي بحُرقة شديدة حتى إستفاق سليم على بكائها، إنتفض من فوق الأريكة عندما وجدها على هذا الحال، هرول لها يجلس أمامها يقول و هو لا يستطيع إخفاء قلقه و رعبه عليها:
– إيه مالك؟ في إيه؟!!
تشبثت في كتفه بتصرخ بألم:
– بطني مش قادرة .. بتتقطـ . ـع!!