– سليم مـ . ـتمشيش .. ده أنا مصدّقت إنك هتبقى معايا و هشبع منك!
هتفت بها سـ . ـمر و هي واقفة جنب سليم في جناحه بتشوفه و هو بيحط لبسُه في الشنطة بآلية و بيرد بنفس الجمود:
– معلش يا أمي سفَرية مينفعش تتأجل! وقفت قدامُه بتقول و عينيها بتذرف الدمـ . ـوع:
– لاء تنفع تتأجل .. إنت عايز تمشي عشان دُنيا مش أكتر! بصلها و قال بهدوء:
– أنا محتاج أريح أعصابي و هي كمان! و دي فرصة كويسة لـ ده!
– طب و أنا .. مبتفكرش فيا خالص!!
قالتها بصدمة من. وحدانية التفكير دي، بتشاور على نفسها فـ بيحاوط وشها و يُقبل راسها بيقول بثبات:
– إنتِ أمي حبيبتي .. بس حقيقي أنا عايز أمشي، خلي بالك من نفسك و منها، هكلمك على طول أطمن عليكوا!
يئست من إقناعه فـ سكتت بتبعد من قدامه عشان يكمل ترتيب شنطتُه، قعدت على السريـ . ـر بتبصله بعيون حزينة، أخد الشنطة و تليفونه و كل ما يخصه و إتحرك برا الجناح، سـ . ـمر لحقتُه بتمسك في دراعه و بتقول راجية إياه:
– طب إمشي بكرة .. إنت كدا كدا مش مرتبط بحاجة و تقدر تطلع بطيارتك في أي وقت!
– النهاردة أحسن!
قال بإيجاز يربت على ضهرها، و سابها و مشي و هي فضلت وراه، وقف على أعتاب السلم و عينه راحت تلقائيًا على الأوضة اللي قاعدة فيها، بابها مقفول و كإنه رافضة تودعُه، كان بيتمنى ياخدها في حـ . ـضنه قبل ما يمشي علُّه يتصبر بيه، إتنهد و شال الشنطة التقيلة و نزل على السلم، لف و بص لأمه اللي قعدت تعيط على السلم، قعدت قدامها و حاوط راسها يقبل جبينه و شعرها بيقول بحنان:
– مـ . ـتعيطيش يا حبيبتي .. أنا مش هتأخر!!
كان المشهد على مرأى من دُنيا اللي فتحت الباب بحذر شديد و بتبص للي بيحصل بتكتم شهقاتها بإيديه، كانت عايزه الحـ . ـضن ده و النبرة دي بردو و إنه يطمنها إنه مش هيتأخر، عينيها لمعت بالدمـ . ـوع و هي شايفاه بيحـ . ـضن أمه و بعدها بيجر شنطته و بيبعد احد م توارى عن أنظارها، جريت على نافذة الاوصة بتستخبى ورا الستارة و بتشوفه و هو بيركب العربية و السواق هو اللي بيسوق، أول م العربية إتحركت و شافتها بتمشي لحد م إختفت من ورا سور الفيلا .. إنهارت، وقـ . ـعت على الأرض و صوت بكـ .
ـاءها يتعالى، لدرحة إنها بقت حاسة إن نفَسها بيخرج مبيدخلش، بتميل لقُدام و بتخبط الأرض بإيديها و شهقات مـ . ـتوصلة خارجة منها، و إسـ . ـمه بيتكرر على لسانها:
– سليم .. سـ .. ليم!!!
فضلت على الأرض بتعيط و بتحاول تتنفس، مكانتش تتخيل إنه ممكن يسافر و يسيبها و مكانتش تتخيل أبدًا إنه يوم م يسافر مش هتترمي في حـ . ـضنه و تودّعُه
يوم مكانش بيخلص، عدى عليها كإنه سنة، معملتش فيه حاطة غير إنها كانت بتنام و تقوم .. تنام ساعة .. تصحى تدور عليه و مـ . ـتلقيهوش فـ تنام تاني و دمـ . ـوعها بتحفر خديها، بدأت بطنها تصدر أصوات من شدة جوعها لكنها كتمـ . ـتها بالنوم مرة تانية، لحد م صحيت الفجر و صلت فروضها اللي فاتتها في صوات لم تخلو من العياط، و راحت للمطبخ تسد جوعها بـ ثمرة فاكهة نزلت زي النـ . ـار في معدتها ..
حتى جوفها مش قابل الأكل، رجعت لجناحهم و دخلت الاوضة بتبص في أرجائها بعيون منتفخة من العياط، دخلت أوضة اللبس اللي كلها كانت مُعبَّقة بريحة عطرُه الرجولية، أخدت قميص من قمصانه و نامـ . ـت على الكنبة في الأوضة حاضنه قميصه بتتكلم معاه كإنه هو:
– ليه مشيت .. مكنتش عايزاك تمشي، كنت زعلانة منك و شوية و كنت هصفى، ليه كل مرة بتوجـ . ـعني بطريقة شَكل؟ ليه مجتش تحـ . ـضني طيب قبل م تمشي؟ ليه مـ . ـتصلتش لحد دلوقتي؟ بهون عليك عادي كدا؟
تساؤلات مكانتش بتخلـ . ـص، مقدرتش تنام، هتنام إزاي و ريحة قميصه و عطره مالية المكان و حاسة بيه حواليها، فضلت صاحية لحد م الساعة جات تسعة صباحًا، قامـ . ـت بصت في المرايا .. إتصدمـ . ـت من منظرها، شعرها مُشعث رغم نعومـ . ـته و تحت عينيها هالات قوية، هدومها مـ . ـتبهدلة و شـ . ـكلها غريب، وقفت تسأل نفسها سؤال واحد .. هو الحزن بيعمل كل ده!!
أخدت هدوم و دخلت تاخد شاور، كانت المياه السُخنة تختلط بـ دمعاتها الأشد سخونة، و لما خلصت نثرت من عطرُه، في كل جسـ . ـمها و على بيجامـ .
ـتها، حمدت ربها إن النهاردة أجازة في مدرستها و إلا مكانتش هتقدر تروح بعينيها المنتفخة و وشها الدبلان، خرجت مـ . ـتجهة لغرفة سـ . ـمر، دخلت و لقتها ثاعدة على المُصلية و بتدعي، قعدت جنبها على الأرض بتبصلها و هي بتمسح على وشها بعد الدعاء، فـ تمـ . ـتمـ . ـت دُنيا بحرج:
– حرَمًا بصتلها سـ . ـمر بشفقة على محياها المُرهقة، عِرفت إنها قضت ليلتها بتعيط، مسحت على وجنتها برفق بتقول:
– جمعًا يا حبيبتي
و كإن تربيتها على وجنتها بهذا الحنان الفطري كان الإشارة الخضراء التي سـ . ـمحت للدمـ . ـوع بالجريان على وجنتيها، بصت في الأرض و قالت بشفاه ترتجف:
– هو سليم .. مـ . ـتصلش؟ هتفت سـ . ـمر بعد تنهيدة ضيق:
– أبدًا يا بنتي والله، مـ . ـتصلش من ساعة م مشي .. خايفة عليه أوي ربنا يستر! نغز القلق قلبها، بتقول بهدوء حاولت جاهدة تحافظ عليه:
– خير إن شاء الله .. يمكن وصل و نام من تعب السفر
تابعت بعيون مـ . ـتلهفة:
– طيب هو مقالش رايح فين؟ هتفت الأخيرة بإبتسامة:
– مسألتيهوش؟ نفت براسها بتفرك بأناملها و بتقول:
– مدانيش فُرصة تنهدت سـ . ـمر و قالت:
– مداش لحد فرصة، بس هو كان قايلي إنه رايح لندن، بس معرفش هيقعد أد إيه .. إن شاء الله مش هيطول!! أومأت لها دُنيا و سكتت بتبص للأرض، لكن صدح رنين هاتف سـ . ـمر فـ إلتقطته الأخيرة بسرعة من فوق الأريكة بتقول بكل لهفة:
– سـلـيـم!!!
إنتفض قلب دُنيا و عينيها بتتوسع بتبصلها بكل لهفة و هي بتجيب:
– سليم حبيبي .. وحـ . ـشتني والله يا سليم!! أدمعت عيون دُنيا بتحاول تنظم أنفاسها اللي هربت و راحتله، فتحت سـ . ـمر السبيكر و هي شايفة دُنيا مـ . ـتلهفة لسـ . ـماع صوته، و جه صوته فعلًا العميق بيقول بهدوء:
– وحـ . ـشتيني أكتر يا أمي .. عاملة إيه؟
مجرد سـ . ـماع صوته خلاها تغمض عينيها حاسة بـ دقات قلبها هتتمرد و تطلع برا قفصها الصدري، إشتاقت لصوته و لمـ . ـساته و لـ دفء أحضانه، قالت سـ . ـمر و هي بتربت على كتف دُنيا:
– بخير يا حبيبي الحمدلله يا حبيبي .. مـ . ـتصلتش ليه إمبارح يا سليم كان هيجرالي حاجة من قلقي عليك!
– معلش يا أمي لما شوفت السريـ . ـر إتقـ . ـتلت نوم!
سـ . ـمعت ردُه و كان تخمينها صح، بصِت لأناملها مستنياه يذكر إسـ . ـمها بأي شيء، قرأت سـ . ـمر ما يجول بخاطرها، فـ قالت و هي تنظر لـ دُنيا بـ نظرات ذات مغزى:
– طيب يا حبيبي مش عايز تكلم دُنيا؟ دي إمبارح كانت هـ .. بتر عبارتها لما قال بجمود .. نبرة أذِت دُنيا و خلتها تتمنى المـ . ـوتو هي قاعدة:
– معلش يا أمي هضطر أقفل عشان معايا مكالمة شغل!
