منوعات

ابراهيم

ابراهيم

تاني يوم الصبح، إبراهيم دخل المدرسة وهو مش شايف قدامه، مطبق طول الليل والسيجارة ورا التانية، وعينه على البوابة مستني “النص نقل” البيضا. أول ما شاف سلمى نازلة، كانت ماشية زي الخيال، كأن روحها اتسحبت منها وسابت مجرد عروسة حلاوة بتتحرك آلياً. إبراهيم مكلمش المدير، ولا راح للأخصائية اللي “بتكبر دماغها”، هو استنى لحد ما المدرسة كلها وقفت في الطابور، وطلع الموبايل وكلم الشخص اللي رد عليه بالليل: “يا فندم أنا في مدرسة النهضة، البنت وصلت، أرجوك الموضوع مش مستحمل دقيقة تأخير”.

فوزية المديرة شافته واقف بعيد وبيتكلم في التليفون، راحتله وهي بتبرطم: “أستاذ إبراهيم، جهزت كشف الغياب؟ وبعدين إيه المنظر ده؟ أنت مش نايم ولا إيه؟”. إبراهيم بصلها ببرود غريب وقال: “النهاردة يا ست فوزية، المدرسة دي سمعتها فعلاً هتبقى على كل لسان، بس مش بالطريقة اللي خايفة منها”. لسه فوزية هتفتح بوقها، لقت عربية شرطة وعربية تانية تابعة لنجدة الطفل داخلين من باب المدرسة. الهرج والمرج ملا المكان، المدرسين طلعوا من الفصول، والعيال بدأت تتهامس. فوزية وشها جاب ألوان وراحت تجري على الظابط: “فيه إيه يا فندم؟ خير؟ إحنا مدرسة محترمة!”.

الظابط بصلها بحدة: “فين الطفلة سلمى؟ وفين المدرس إبراهيم؟”. إبراهيم شاورلهم ودخلوا الفصل. سلمى كانت قاعدة في الركن، أول ما شافت الظابط والناس الغريبة، استخبت ورا “السبورة” وهي بتعيط من غير صوت. إبراهيم قرب منها وقعد على الأرض: “مـ . ـاتخافيش يا سلمى، فاكرة لما قولتلك مفيش حد هيزعقلك؟ أنا جبتلك الناس اللي هيخلوكي تروحي مكان مفيش فيه الكرسي الأحمر ده تاني”.

في مكتب المديرة، الدنيا كانت قايدة نـ .ـار. المديرة بتحاول تداري: “يا جماعة دي بنت يتيمة وجوز أمها راجل شقيان وبيصرف عليها”، بس كلامها اتقطع لما دخلت الدكتورة اللي جت مع الحملة وكشفت على سلمى في غرفة الزائرة الصحية. الدكتورة طلعت ووشها كان خالي من أي تعبير غير الغضب، وبصت للظابط وهزت راسها “أيوة.. الحالة صعبة جداً وفيها آثار اعتـ . ـداء وحروق سجاير قديمة”.

السكوت ساد المكتب، حتى فوزية المديرة لسانها اتلجم وبدأت تترعش. في اللحظة دي، تليفون إبراهيم رن، كان جوز أم سلمى بيتصل بحد من المدرسة يسأل ليه الحكومة هناك. إبراهيم أخد التليفون وفتح السبيكر، وصوت الراجل طلع وهو بيحلف: “لو البنت دي نطقت بكلمة، هطفي السجائر في لسانها ولسان أمها اللي ساكتة وراضية!”. الظابط سحب التليفون من إيد إبراهيم وقال بلهجة ترعب: “الوصفة دي هتقولها في النيابة يا بطل.. إحنا قدام باب بيتك دلوقتي”.

إبراهيم بص لسلمى اللي كانت ماسكة في طرف قميصه، وحس لأول مرة إنه فعلاً أدى الأمانة. بس الصدمة الحقيقية مكنتش في جوز الأم بس.. الصدمة كانت لما الظابط سأل سلمى: “مين تاني يا حبيبتي كان بيشوفك بتعيطي ومبيعملش حاجة؟”. سلمى رفعت صباعها الصغير وشاورت على حد واقف في المكتب، حد الكل كان فاكر إنه ملوش علاقة بالموضوع، والكل اتصدم لما البنت نطقت الاسم.. صباع سلمى الصغير كان بيترعش وهي بتشاور على “أبلة منال”، مدرسة العربي اللي كانت واقفة في الركن وشها جايب ألوان وبتحاول تستخبى ورا المدرسين.

الذهول لجم الكل، وإبراهيم نطق بصدمة: “أبلة منال؟! دي جارتك يا سلمى.. دي ساكنة في نفس الدور!” البنت بدأت تصرخ بهستيريا وهي مستخبية في حـ .ـضن إبراهيم: “كانت بتشوفني وأنا واقفة على السلم بعيط.. كانت بتقولي ادخلي لجوز أمك واسمعي الكلام عشان الفضيحة.. كانت بتقولي يا مستر إن اللي بيحصل ده عادي وكل البنات بيحصل معاهم كدة!” أبلة منال لسانها اتعقد، وبدأت تتهته: “يا فندم أنا.. أنا مكنتش عايزة أقطع عيش الراجل.. وبعدين قولت دي مشاكل عائلية وأنا مالي، أنا يدوبك جارة.. كنت بخاف على برستيجي قدام الناس لو دخلت في خناقات مع ميكانيكي رد سجون!”

الظابط بصلها باحتقار مقرف وقال للعسكري: “هاتها هي كمان، التستر على جـ .ـريمة زي دي لا يقل بشاعة عن الجـ .ـريمة نفسها.. والمدرسة دي كلها من النهاردة تحت التحقيق”. في اللحظة دي، دخلت الأم المدرسة وهي بتلطم وبتصرخ، بس مكانتش بتصرخ عشان بنتها، كانت بتصرخ وهي بتقول: “خربت بيتي يا أستاذ إبراهيم! الراجل هيتحبس ومين هيصرف علينا؟ مين هيأكلنا لقمة؟”
إبراهيم بصلها بقرف ملوش حدود، وقالها بكلمة واحدة هزت المكتب: “البنت دي كانت بتمـ .ـوت بالبطيء وأنتِ كنتِ بتبيعي دمها عشان لقمة.. اطلعي بره يا ست أنتِ، سلمى خلاص مابقتش بنتك، سلمى بقت بنت الدولة اللي هتحميها منك ومنه”.

وهما بياخدوا سلمى عشان يركبوها عربية الإسعاف تروح المستشفى تعمل تقرير طبي كامل، البنت وقفت فجأة عند الباب، ولفت وشها لمستر إبراهيم، ولأول مرة من يوم ما دخلت المدرسة، ابتسمت.. ابتسامة خفيفة مليانة وجع بس فيها أمل. إبراهيم وقف يتفرج على العربيات وهي ماشية، والمنطقة كلها مقلوبة، والناس بدأت تتجمع وتحكي. فوزية المديرة قربت منه وهي مكسورة وقالتله: “أنت عارف إنك كدة قضيت على مستقبلك في المدرسة دي؟ الوزارة مش هتقبل بالشوشرة دي”.

إبراهيم عدل نظارته، وبص للسماء ب راحة وقالها: “المستقبل اللي يتبني على جـ .ـثه طفلة وسكوت على حقها، يبقى أحسن لي أقعد على الرصيف.. أنا النهاردة بس قدرت أنام يا ست فوزية”. وهو بيمشي في حارة السيدة زينب، لمح “النص نقل” البيضا وهي بتتشحن على ونش الحكومة، والناس بتبص عليها بقرف، بس وهو بيبعد، سمع صوت رسالة على تليفونه من رقم غريب، فتحها ولقى جملة واحدة خلت قلبه يقف من تاني: “أنت فاكر إن الحكاية خلصت بـ “سلمى”؟ افتح كشف الغياب بتاع السنة اللي فاتت وبص على اسم (نورا).. واسأل هي غابت ليه ومسترجعتش أبداً؟”

إبراهيم وقف في نص الشارع، والدنيا لفت بيه.. الحكاية مكنتش مجرد حالة واحدة، دي كانت بير غويط من السكوت، والبير ده لسه فيه ضحايا تانية مدفونين تحت كلمة “السمعة” و”الستر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى